علي بن أحمد المهائمي

316

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

( والزم الأدب في الاستقبال شطر المسجد الحرام ) ، فلا تجعل المسجد نفس المعبود ، ولا يكن كونه مظهرا خاصا موجبا للتوجه إليه لشبهة المبدأ خلاف ما يتوجه إليه عبدة الأصنام مثلا . ( والزم الأدب في عدم حصر الوجه ) الإلهي ( في تلك الأينية الخاصة ) ، أي : وإن كان لها نوع اختصاص يوجب التوجه إليها في العبادة ، ( بل هي ) أي : أبنية المسجد الحرام ( من جملة أينيات ما تولى متول إليها ) في طلب الحق ، لكن خصت بالجذب إلى الحق دون سائر الجهات ، فإنّ عبادة الأصنام وغيرها من العنصريات والفلكيات إنّما تجذب إلى الشياطين وإنكار النبوة والأمور الأخروية ، وإذا ورد في القرآن : فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ؛ ( فقد بان لك عن اللّه أنه في أينيته كل وجهة ) ، ومعلوم أنه منزه عن المكان والجهة ، فتعين أنه ( ما ثمّ ) أي : في الأينيات أي : ( الاعتقادات ) ، أي : الصور المعتقدة وقد علمت أن المعتقد إنّما يصير معتقدا عندما يوجب الجزم به من الدليل عقلي أو شرعي أو كشفي . ( فالكل ) من المعتقدين المتولين إلى الصور قاصدين بذلك التوجه إلى الحق نفسه لا إلى الصور ولا إلى ما يظهر فيها من أرواح الشياطين وغيرها ( مصيب ) ، وإن أخطأ بعضهم في حصر الحق في بعض الصور وهم البراهمة ، أو بنفي الصفات عنه أو إثبات ما ليس من صفاته له ( وكل مصيب مأجور ) بقدر إصابته إن لم يحيط أجر إصابته باعتقاد إلهية الصور ، أو أرواحها أو الإخلال بالإيمان لما يجب به الإيمان فيؤجر لا محالة ، وإن عوقب بما أخطأ أو باشر من الكبائر أو الصغائر ( وكل مأجور سعيد ) ، كيف لا ( وكل سعيد مرضي عنه ) ، والألم يعطي الأجر ، والرضا غاية السعادة ، فلا تبطل سعادته الباقية بعد تعلق الرضا به . ( وإن شقي زمانا ) قبله ( في الدار الآخرة ) بما فاته من نور الاعتقاد الجامع الذي هو هيولى صور الاعتقادات كلها ، وكيف تنافي هذه الشقاوة سعادته ، ( فقد مرض وتألم أهل العناية ) وهم الأنبياء والأولياء ( مع علمنا بأنهم سعداء ) ، وكيف لا هم ( أهل الحق في الحياة الدنيا ) حال ما باشرهم المرض والألم ، فكيف تنافي الشقاوة السابقة السعادة اللاحقة ، ( فمن عباد اللّه ) المعتقدين فيه الاعتقادات المخصوصة التي دلّ عليها إحدى الأدلة المذكورة ( من تدركهم تلك الآلام ) المسماة عذابا لما فاتهم من الاعتقاد الكامل ( في دار تسمى جهنم ) وراء شدائد القيامة والقبر . وأشار بهذه العبارة إلى أنها بالنظر إلى ما يحصل لهم من السعادة الكاملة بسبب التصفية الحاصلة لهم منها ، كأنها اسم لا مسمى في حقها ، ( فلا يقطع أحد من أهل العلم الذين كشفوا الأمر على ما هو عليه ) ، وإن اختلف المتكلمون فيه تكفيرهم بعضهم أيضا مع كون الكل من أهل القبلة ( أنه لا يكون لهم في تلك الدار ) فضلا عما يحصل لهم بغير